في ذكرى الأربعين… حين يصمت الجسد ويتكلم الأثر

أبريل 10, 2026 - 13:02
 0  6
في ذكرى الأربعين… حين يصمت الجسد ويتكلم الأثر

بيتر سمير : يكتب

تمرّ الأيام ثقيلة على القلوب التي عرفت قيمة الرجال، وتزداد وطأة الغياب حين يكون الراحل من أولئك الذين لم يعيشوا لأنفسهم يومًا، بل عاشوا للناس، وبين الناس، وبهم.

 وفي ذكرى الأربعين للنائب الفاضل محمد عبد السميع، نائب المطرية، لا نقف فقط عند حدود الرثاء، بل نقف أمام سيرة رجلٍ كانت حياته صفحةً مضيئة في سجل العمل السياسي والخدمي، نموذجًا يُحتذى، وأثرًا باقٍ لا تمحوه الأيام.

لم يكن محمد عبد السميع مجرد نائبٍ تحت قبة البرلمان، بل كان ضميرًا حيًا يتحرك في الشارع قبل أن يتحدث تحت القبة. كان يرى في العمل السياسي مسؤولية ثقيلة، لا وجاهة تُطلب ولا مكسبًا يُنتظر، بل أمانة تستوجب الصدق والإخلاص والعمل الدؤوب. حمل همّ المطرية في قلبه، وسعى بكل ما أوتي من قوة ليكون صوتها الحقيقي، معبرًا عن احتياجات أهلها، مدافعًا عن حقوقهم، وساعيًا لتخفيف معاناتهم.

كان حضوره بين الناس لافتًا؛ لم يكن نائبًا موسميًا يظهر في أوقات الانتخابات، بل كان حاضرًا في كل وقت، في الشارع، في المؤسسات، في كل موقعٍ يحتاج إلى جهدٍ صادق أو تدخلٍ مسؤول. كان يعرف تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط، ويتعامل معها بجدية من يدرك أن الكلمة قد تُصلح حياة، وأن القرار قد يرفع معاناة

وعلى أرض الواقع، ترك بصماتٍ واضحة تشهد له لا عليه. فقد كان له دور بارز في دعم وتطوير مستشفى المطرية العام، هذا الصرح الطبي الذي يمثل شريان حياة لآلاف المواطنين، فعمل على تحسين خدماته وتوفير الإمكانيات التي تليق بكرامة المريض المصري. 

كما كان له جهدٌ ملموس في مشروعات الصرف الصحي بالمطرية، تلك المشروعات التي قد تبدو صامتة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تحفظ صحة الناس وكرامتهم، وتعيد للبيئة توازنها.

وامتدت جهوده لتشمل انشاء حي المطرية، حيث سعى إلى تحسين مستوى الخدمات والبنية التحتية، إيمانًا منه بأن المواطن يستحق حياةً كريمة في بيئةٍ منظمة وآمنة.

 كما كان له حضور مؤثر في بناء مبني المجلس المحلي تفعيل دوره إيمانًا بأهمية العمل المؤسسي القائم على المشاركة والمتابعة، وليس مجرد القرارات الورقية.

ولم يغفل عن تطوير خدمات الاتصالات، فكان له دور في دعم و انشاء سنترال المطرية، و تحسين دوره فيما بعد حيث لم يكن موجود بالمطريه كلها سوى ثلاث خطوط إدراكًا منه أن التواصل أصبح شريانًا أساسيًا من شرايين الحياة الحديثة، وأن تحسينه ينعكس على كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ولم تقتصر جهود النائب الفاضل محمد عبد السميع على الملفات الخدمية والبنية التحتية فحسب، بل امتدت رؤيته لتشمل بناء الإنسان، خاصة فئة الشباب التي آمن بأنها الثروة الحقيقية لأي مجتمع. فقد أولى اهتمامًا كبيرًا بدعم الرياضة في المطرية، وكان لنادي المطرية نصيبٌ واضح من هذا الدعم، إدراكًا منه لدور الأندية الرياضية في احتضان الطاقات الشابة، وصقل المواهب، وإبعادهم عن مسارات الانحراف واليأس. 

عمل على دعم النادي وتطوير امانة إمكانياته، ليكون متنفسًا حقيقيًا للشباب، وميدانًا يكتشفون فيه قدراتهم ويحققون من خلاله طموحاتهم. وكان يرى أن الاستثمار في الرياضة ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء جيلٍ قوي جسديًا ونفسيًا، قادر على العطاء والمشاركة الإيجابية في المجتمع، فكان دعمه لنادي المطرية ترجمة صادقة لإيمانه بأن الشباب هم الحاضر الذي نصنعه… والمستقبل الذي نرجوه

ما ميّز الراحل الكريم، لم يكن فقط حجم الإنجاز، بل روحه في الإنجاز… ذلك الإخلاص الصادق، والهدوء الواثق، والعمل الذي لا يبحث عن ضوءٍ أو تصفيق. كان يؤمن أن أعظم النجاحات هي تلك التي تُصنع في صمت، وتُقاس بأثرها في حياة الناس، لا بعدد الكلمات التي تُقال عنها.

وفي زمنٍ تختلط فيه المفاهيم، وتبهت فيه النماذج الحقيقية، كان النائب محمد عبد السميع واحدًا من القلائل الذين أعادوا للسياسة معناها النبيل، وللخدمة العامة قدسيتها، فاستحق أن يُذكر بالخير، وأن يُدعى له بالرحمة، وأن تبقى سيرته مصدر إلهام لكل من يسعى إلى العمل العام بصدق.

إن رحيل الجسد لا يعني غياب الأثر، فالأعمال الصالحة تبقى شاهدة على أصحابها، تتحدث عنهم حين يصمت الجميع، وتذكرهم حين تغيب الأسماء. وهكذا سيبقى اسم النائب محمد عبد السميع حاضرًا في وجدان أهل المطرية، في كل شارعٍ شهد جهده، وفي كل مرفقٍ حمل بصمته، وفي كل قلبٍ عرفه إنسانًا قبل أن يعرفه نائبًا.

وفي هذه الذكرى، لا نملك إلا الدعاء… اللهم اغفر له وارحمه، واجعل ما قدمه في ميزان حسناته، واجزه عن أهل المطرية خير الجزاء، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان.

سلامٌ على روحٍ أخلصت… فخلّدها الأثر

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow