الدكتور سعيد عزت خطاب حين يتحول الأستاذ إلى قدوة.. الدكتور سعيد عزت خطاب ورؤية تعليمية تبني الطموح لدى 7 آلاف طالب
كتبت : روان رجب
في التعليم، هناك فرق بين من يؤدي دوره داخل قاعة المحاضرات، ومن يرى في التعليم رسالة تمتد إلى ما هو أبعد من المقرر الدراسي والامتحان والشهادة.
الأول يقدم للطالب ما يحتاجه لاجتياز مرحلته الدراسية، بينما الثاني يحاول أن يترك في عقل الطالب فكرة تستمر معه حتى بعد مغادرة المؤسسة التعليمية.
ومن هذا المفهوم يمكن النظر إلى تجربة الدكتور سعيد عزت خطاب، الذي أصبح التعليم بالنسبة إليه مشروعًا متكاملًا، لا يقتصر على نقل المعرفة، وإنما يقوم على بناء شخصية الطالب، وإعادة تشكيل نظرته إلى مستقبله، ودفعه إلى التفكير في مراحل علمية ومهنية تتجاوز حدود المرحلة التي يدرس فيها.
ومع توليه مسؤولية عمادة مؤسسة تعليمية تضم نحو 7 آلاف طالب، أصبحت هذه الرؤية أكثر اتساعًا، لأن كل قرار تعليمي أو فكرة جديدة يمكن أن تترك أثرًا في آلاف الشباب الذين يقفون على أعتاب مستقبلهم.
الدكتور سعيد لا يقدم نفسه لطلابه باعتباره أستاذًا وصل إلى مكانه من طريق سهل، وإنما يحمل معه تجربة شخصية طويلة جعلته أكثر إدراكًا لقيمة الفرصة، وأهمية التشجيع، وخطورة أن يفقد الطالب إيمانه بقدرته على الوصول.
الطالب قبل الشهادة من أبرز ملامح الرؤية التي يقدمها الدكتور سعيد أن الطالب لا ينبغي أن يكون مجرد متلقٍ للمعلومة.
فالعملية التعليمية، من وجهة نظره، يجب أن تساعد الطالب على اكتشاف قدراته، وتدفعه إلى طرح الأسئلة، والبحث، والتفكير، ووضع أهداف جديدة لنفسه.
ولهذا فإن اهتمامه لا يتوقف عند وصول الطالب إلى نهاية المقرر الدراسي، وإنما يمتد إلى السؤال الأهم: ماذا سيفعل الطالب بعد ذلك؟
هل سيتوقف عند الشهادة؟
أم سيبحث عن فرصة جديدة للتخصص؟
هل سيواصل الدراسات العليا؟
هل سيدخل مجال البحث العلمي؟
هل سيطور نفسه باستمرار؟
هذه الأسئلة تمثل جزءًا من فلسفة تعليمية يحاول الدكتور سعيد ترسيخها بين طلابه.
سبعة آلاف طالب.. سبعة آلاف قصة حين يكون المسؤول أمام آلاف الطلاب، فإن الأرقام وحدها لا تكفي لوصف حجم المسؤولية.
فالـ7 آلاف طالب ليسوا رقمًا واحدًا، وإنما آلاف القصص والظروف والطموحات.
منهم من جاء إلى الدراسة وهو يحمل حلمًا واضحًا، ومنهم من لا يزال يبحث عن الطريق، ومنهم من يحتاج إلى دعم أكبر حتى يكتشف قدرته الحقيقية.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يحاول الدكتور سعيد القيام به؛ أن يجعل البيئة التعليمية مكانًا يجد فيه الطالب من يرشده ويشجعه ويمنحه مساحة للتطور.
فالطالب الذي يشعر أن المؤسسة التعليمية تؤمن به، يكون أكثر قدرة على التعامل مع التحديات وعدم الاستسلام عند أول عقبة.
لماذا يهتم بالمحاكاة؟
قد تبدو فكرة محاكاة مناقشات الماجستير والدكتوراه تجربة تعليمية بسيطة، لكنها تحمل وراءها فلسفة أكبر.
فالدكتور سعيد يحاول أن يجعل الطالب يعيش تجربة علمية متقدمة قبل أن يصل إليها فعليًا.
يعد الطلاب أبحاثًا، ثم يقدمونها أمام الآخرين، ويخوضون نقاشًا حول العنوان والمضمون والمنهجية، ويعيشون أجواء أقرب إلى المناقشات الأكاديمية.
بهذه الطريقة، لا يعود الماجستير أو الدكتوراه بالنسبة للطالب مجرد كلمات يسمعها عن المستقبل، وإنما تصبح صورة يمكن تخيلها والاستعداد لها.
ويحاول الدكتور سعيد من خلال هذه التجارب أن يقول للطلاب بصورة عملية: لا تجعلوا حدود المرحلة الحالية تحدد سقف أحلامكم.
حين يصبح التشجيع جزءًا من المنهج التشجيع في تجربة الدكتور سعيد ليس مجرد عبارات تحفيزية.
هناك قصة شخصية تقف خلف اهتمامه بهذه النقطة.
خلال مرحلة دراسته الجامعية، تلقى من أحد أساتذته كلمة تركت أثرًا عميقًا داخله، عندما أخبره بأنه يمكن أن يصبح دكتورًا.
كانت الجملة قصيرة، لكنها تحولت إلى هدف.
ولهذا يكرر الدكتور سعيد التجربة مع طلابه، ويحرص على مخاطبتهم بألقاب مثل "دكتور" و"دكتورة"، في محاولة لزرع صورة مستقبلية إيجابية داخل الطالب.
الفكرة ليست في اللقب نفسه، وإنما في الرسالة التي يحملها: أنت قادر على أن تصل إلى أبعد مما تتخيل.
تجربة علمية بدأت من خارج المدرج ربما كان ارتباط الدكتور سعيد بهذه الفلسفة التعليمية نتيجة طبيعية لطريق طويل لم يبدأ من المدرجات الجامعية.
فقد بدأت حياته العملية عام 1990 في وزارة التعليم العالي بوظيفة عامل خدمة معاونة.
لم تكن تلك البداية تحمل ملامح المسار الأكاديمي الذي وصل إليه لاحقًا، ولم يكن الطريق واضحًا أمامه بالصورة التي أصبح عليها بعد سنوات.
لكن وجود أشخاص شجعوه على استكمال التعليم كان نقطة مهمة في تغيير مساره.
وبدأ التعليم الليلي إلى جانب العمل، ثم حصل على الثانوية، وتحول بعد ذلك إلى موظف، قبل أن ينتقل إلى مرحلة الدراسة الجامعية.
كانت تلك السنوات بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على إدارة أكثر من مسؤولية في الوقت نفسه.
العمل والأسرة والدراسة.. ثلاث جبهات في وقت واحد
لم تكن الجامعة بالنسبة إلى الدكتور سعيد مجرد مرحلة دراسية.
في تلك الفترة كان لديه عمل وأسرة وأبناء والتزامات مالية، وهو ما جعل الاستمرار في التعليم يحتاج إلى قدر كبير من التنظيم والإصرار.
وكانت زوجته، التي يطلق عليها "أم محمد"، أحد أهم مصادر الدعم خلال تلك المرحلة.
ومع مرور السنوات، أصبحت الدراسة جزءًا من حياة الأسرة نفسها، حتى كان يذاكر أحيانًا مع أبنائه، وكأن المشروع التعليمي تحول من حلم فردي إلى ثقافة أسرية.
وهذا الجانب من تجربته يفسر كثيرًا من اهتمامه اليوم بأهمية دور الأسرة في دعم الطلاب.
التفوق كوسيلة للاستمرار
لم يكن الوضع المالي في سنوات الجامعة يسمح برفاهية كبيرة.
وكانت المصروفات تمثل عبئًا حقيقيًا، لذلك أصبح التفوق الدراسي أحد الأدوات التي تساعده على الاستمرار.
كان يحرص على الحصول على تقديرات مرتفعة، والاستفادة من نظم الإعفاءات أو تخفيض المصروفات المرتبطة بالتفوق.
وهكذا أصبح النجاح الأكاديمي بالنسبة إليه يجمع بين هدفين: تحقيق الطموح العلمي، وتخفيف الأعباء المالية.
الاقتصاد.. من الدراسة إلى الشغف
مع الوقت، وجد الدكتور سعيد نفسه أمام مجال أصبح قريبًا إلى قلبه، وهو الاقتصاد.
لم يعد الاقتصاد بالنسبة إليه مجرد تخصص دراسي، وإنما أصبح مجالًا يحبه ويحرص على تدريسه بطريقة تجعل الطالب يشعر بأهميته.
وهنا تظهر فلسفة أخرى لديه: الأستاذ لا يستطيع أن يجعل الطالب يحب مادة لا يحبها هو.
ولهذا فإن شغفه بالمجال الاقتصادي انعكس على طريقته في تقديمه للطلاب، وعلى محاولته تبسيط الأفكار وربطها بالحياة العملية.
من الباحث إلى صاحب الرسالة
واصل الدكتور سعيد مسيرته الأكاديمية، فحصل على دبلومين في الدراسات التربوية، ثم دبلومين في الدراسات الاقتصادية، قبل أن يدخل مرحلة الدراسات العليا المتقدمة.
وفي مرحلة الماجستير، تناول موضوعًا يرتبط بغسل الأموال وطرق اكتشافها، بما في ذلك الجانب المتعلق بالتطبيقات الإسلامية.
ثم انتقل إلى مرحلة الدكتوراه، التي تناول خلالها قضية التنمية المستدامة وجودة التعليم العالي والبحث العلمي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بالتطبيق على دولة ماليزيا.
واستمرت رحلة الدكتوراه نحو عامين، حتى حصل على الدرجة بمرتبة الشرف الأولى.
لكن هذه الدرجة العلمية لم تكن بالنسبة إليه محطة للاحتفال فقط، وإنما كانت تأكيدًا على أن المسار الطويل الذي بدأه من سنوات العمل والدراسة يمكن أن يصل إلى نتائج كبيرة.
يوم الدكتوراه.. ذاكرة سنوات كاملة لحظة مناقشة الدكتوراه كانت مختلفة.
لم تكن قاعة المناقشة بالنسبة للدكتور سعيد مجرد مكان للحصول على الحكم النهائي، وإنما كانت مساحة عادت فيها سنوات كاملة إلى ذاكرته.
عاد إلى أيام المدرسة الليلية، وإلى العمل في الصباح، وإلى ليالي الشتاء، وإلى الامتحانات، وإلى البحث عن الكتب، وإلى مسؤوليات الأسرة، وإلى كل الأشخاص الذين ساعدوه في الطريق.
ولهذا كانت لحظة الحصول على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى لحظة إنسانية بقدر ما كانت أكاديمية.
أصحاب الفضل.. جزء من النجاح
رغم وصوله إلى موقعه الحالي، لا ينسب الدكتور سعيد نجاحه إلى نفسه وحدها.
ففي حديثه عن الرحلة، يحرص على تذكر الأشخاص الذين وقفوا إلى جواره في مراحل مختلفة.
هناك زملاء شجعوه، وأساتذة قدموا له الدعم العلمي، وأفراد من أسرته تحملوا معه أعباء الرحلة.
وهذه النظرة تؤكد أن النجاح في رأيه لا يولد في عزلة.
قد يبدأ الإنسان وحده بحلم، لكنه يحتاج في الطريق إلى كلمة، أو مساعدة، أو أستاذ، أو أسرة، أو صديق يؤمن بقدرته.
من احتياج الدعم إلى صناعة الدعم ربما تكون أهم مفارقة في مسيرة الدكتور سعيد أن الرجل الذي احتاج في بداية طريقه إلى من يفتح أمامه باب الأمل، أصبح اليوم مسؤولًا عن فتح أبواب الأمل أمام آلاف الطلاب.
هذه النقلة تعطي تجربته معنى مختلفًا.
فهو لا يريد أن يحتفظ بالدروس التي تعلمها لنفسه، وإنما يحاول أن يحولها إلى ممارسة يومية في التعامل مع الطلاب.
كل طالب يمكن أن يكون لديه حلم كبير، حتى لو لم يعرف كيف يبدأ.
وكل طالب يمكن أن يغير حياته إذا وجد البيئة المناسبة.
وكل كلمة تشجيع يمكن أن تكون بداية لقرار مختلف.
الأستاذية.. فصل لم يُكتب بعد
وبعد الوصول إلى الدكتوراه، لم يتوقف الطموح.
يواصل الدكتور سعيد العمل على استكمال متطلبات الأستاذية، من خلال الأبحاث والنشر العلمي واستكمال المسار الأكاديمي.
وهنا تبدو تجربته منسجمة تمامًا مع الرسالة التي يقدمها لطلابه.
فكما يقول لهم إن الشهادة ليست نهاية الطريق، يواصل هو نفسه البحث عن المرحلة التالية في مسيرته العلمية.
القيادة التعليمية ليست مكتبًا فقط تولي منصب العميد لا يعني بالنسبة للدكتور سعيد الجلوس خلف مكتب وإدارة الملفات فقط.
فالقيادة التعليمية في تجربته مرتبطة بالوجود وسط الطلاب، والاستماع إليهم، وتشجيعهم، ودعم الأفكار التي تساعدهم على بناء شخصية علمية ومهنية.
وعندما تكون المسؤولية أمام نحو 7 آلاف طالب، فإن التأثير الحقيقي لا يقاس فقط بعدد القرارات الإدارية، وإنما بعدد الطلاب الذين خرجوا من المؤسسة وهم أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر وضوحًا في أهدافهم.
قصة نجاح.. لكنها ليست النهاية
يمكن أن ينظر البعض إلى رحلة الدكتور سعيد عزت خطاب باعتبارها قصة انتقال من بداية متواضعة إلى الدكتوراه والعمادة.
لكن القراءة الأعمق للتجربة تكشف أن المسألة أكبر من ذلك.
القصة الحقيقية هي قصة إنسان تعلم من ظروفه، واستفاد من الأشخاص الذين وقفوا بجانبه، ولم يتعامل مع نجاحه باعتباره امتيازًا شخصيًا، وإنما حوله إلى مسؤولية تجاه الآخرين.
بدأ حياته العملية من موقع بعيد عن الصورة التقليدية للأكاديمي، لكنه لم يسمح للبداية أن تحدد نهايته.
واليوم يقف في موقع مسؤولية أمام آلاف الطلاب، ويحاول أن يمنحهم ما حصل عليه في وقت مبكر من حياته: الثقة في أن الطريق يمكن أن يبدأ من أي نقطة.
وفي النهاية.. التعليم الذي يترك أثرًا قد تنتهي المحاضرة، وينتهي الامتحان، ويحصل الطالب على الشهادة، لكن ما يبقى في ذاكرته هو الأستاذ الذي جعله يؤمن بنفسه، أو الكلمة التي جعلته يغير هدفه، أو التجربة التي دفعته إلى مواصلة الطريق.
وهذه هي المساحة التي يحاول الدكتور سعيد عزت خطاب أن يعمل فيها.
فهو لا يريد أن يكون دوره مرتبطًا فقط بتدريس الاقتصاد، وإنما يسعى إلى أن يكون جزءًا من رحلة تكوين الطالب نفسه.
وبين الدكتوراه التي حصل عليها بمرتبة الشرف الأولى، والمسؤولية التي يحملها عن نحو 7 آلاف طالب، والحلم المقبل نحو الأستاذية، تستمر مسيرة الدكتور سعيد في اتجاه واحد: أن يتحول العلم من إنجاز شخصي إلى أثر يبقى في الآخرين.
وربما يكون هذا هو المعنى الأوسع للنجاح؛ أن يصل الإنسان إلى المكان الذي حلم به، ثم يمد يده لمن يأتي بعده، ويقول له ببساطة: الطريق مفتوح.. فلا تتوقف.
ما هو رد فعلك؟



