لم يكتفِ بأن يصل إلى الدكتوراه.. اختار أن يجعل من رحلته العلمية جسرًا يعبر عليه طلابه نحو مستقبل أوسع

سبتمبر 26, 2026 - 10:15
 0  9
لم يكتفِ بأن يصل إلى الدكتوراه.. اختار أن يجعل من رحلته العلمية جسرًا يعبر عليه طلابه نحو مستقبل أوسع

كتبت : ايه علاء

هناك فارق كبير بين أن ينجح الإنسان لنفسه، وبين أن يحول نجاحه إلى وسيلة لمساعدة الآخرين على النجاح.

الأولى قد تصنع سيرة شخصية تستحق التقدير، أما الثانية فتمنح التجربة قيمة أكبر، لأنها تجعل سنوات الكفاح والعلم والعمل مصدرًا لفائدة تمتد إلى أعداد كبيرة من البشر.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة الدكتور سعيد عزت خطاب، الذي لا يتوقف عند حصوله على الدكتوراه في الاقتصاد بمرتبة الشرف الأولى، وإنما يخوض اليوم مرحلة مختلفة من حياته باعتباره قيادة تعليمية تتحمل مسؤولية نحو 7 آلاف طالب، ويسعى إلى أن يجعل من المؤسسة التعليمية مساحة حقيقية لاكتشاف الطاقات، وبناء الثقة، وتحويل أحلام الطلاب إلى أهداف قابلة للتحقيق.

فالدكتور سعيد لا يتعامل مع الطالب باعتباره مجرد اسم في كشف أو رقم داخل قاعدة بيانات، وإنما ينظر إليه باعتباره مشروع مستقبل، له ظروفه وطموحاته وقدراته التي تحتاج إلى من يكتشفها ويدعمها.

ولعل هذا الفهم لم يأتِ من فراغ، وإنما تشكل على مدار سنوات طويلة عاش خلالها الدكتور سعيد بنفسه تجربة البحث عن فرصة، ثم فرصة أكبر، ثم هدف جديد بعد كل هدف يحققه.

فلسفة مختلفة في التعامل مع الطالب داخل العملية التعليمية، قد يكون من السهل تقديم المقرر الدراسي وشرح محتواه، لكن الأصعب هو أن تجعل الطالب يحب التعلم، وأن تقنعه بأن ما يفعله اليوم يمكن أن يغير حياته غدًا.

وهنا تظهر فلسفة الدكتور سعيد في التعامل مع طلابه؛ فهو يحاول أن يربط التعليم بالطموح، وأن يجعل الطالب يفكر فيما بعد الشهادة.

ومن هذا المنطلق، لا يتوقف اهتمامه عند المناهج والمحاضرات، وإنما يمتد إلى تحفيز الطلاب على البحث العلمي، وتشجيعهم على التفكير في الدراسات العليا، وخلق نماذج عملية تجعلهم يرون أنفسهم في مواقع علمية أكبر مستقبلًا.

ويرى أن الطالب الذي يتعلم كيف يضع هدفًا ويعمل للوصول إليه سيكون أكثر قدرة على التعامل مع تحديات الحياة العملية بعد التخرج.

7 آلاف طالب أمام مسؤولية كبيرة

تحمل مسؤولية نحو 7 آلاف طالب ليس مهمة إدارية عابرة، وإنما مسؤولية ترتبط بمستقبل آلاف الأسر.

كل طالب من هؤلاء الطلاب يأتي إلى المؤسسة التعليمية محملًا بظروف مختلفة، وقدرات مختلفة، وأحلام مختلفة، ولذلك فإن التعامل معهم يحتاج إلى رؤية تتجاوز فكرة التعليم التقليدي.

ومن هنا يسعى الدكتور سعيد إلى تكريس مفهوم أن المؤسسة التعليمية ليست مكانًا للحصول على الشهادة فقط، وإنما بيئة تساعد الطالب على اكتشاف نفسه.

فالطالب الذي يدخل اليوم يبحث عن مؤهل قد يخرج غدًا باحثًا أو أكاديميًا أو متخصصًا أو صاحب مشروع أو قيادة في مجال من المجالات.

ولهذا فإن بناء شخصية الطالب، من وجهة نظره، لا يقل أهمية عن تقديم المعلومة العلمية.

تجربة محاكاة تصنع الحلم قبل الوصول إليه ومن أبرز الأفكار التي تعكس هذه الرؤية، حرص الدكتور سعيد على إدخال الطلاب في تجارب تحاكي أجواء الدراسات العليا ومناقشات الماجستير والدكتوراه.

الفكرة في جوهرها بسيطة، لكنها تحمل رسالة عميقة؛ أن يرى الطالب نفسه في المكان الذي يتمنى الوصول إليه قبل أن يصل إليه فعليًا.

فيقوم الطلاب بإعداد أبحاث، ثم عرضها ومناقشتها، ويعيشون أجواء المناقشة العلمية، بما يجعل التجربة أقرب إلى تدريب عملي على التفكير والبحث والحوار العلمي.

والهدف ليس صناعة مشهد احتفالي، وإنما غرس فكرة في عقل الطالب مفادها أن الدراسات العليا ليست حلمًا بعيدًا، وأن البحث العلمي يمكن أن يكون جزءًا من مستقبله إذا قرر أن يستمر.

كما أن مشاركة أولياء الأمور في بعض هذه التجارب تمنح الطالب شعورًا إضافيًا بأن الأسرة شريك في رحلة نجاحه.

لماذا يصر على أن ينادي طلابه بـ"الدكتور" و"الدكتورة"؟

وراء هذه العادة قصة إنسانية تركت أثرًا واضحًا في حياته.

فخلال السنة الأخيرة من مرحلة البكالوريوس، تلقى الدكتور سعيد كلمة من أحد أساتذته قال له فيها إن مستقبله يمكن أن يصل إلى درجة الدكتوراه.

كانت العبارة قصيرة، لكنها لم تمر بالنسبة إليه مرورًا عاديًا.

احتفظ بها في ذهنه، وتحولت مع الوقت إلى هدف.

ومن هنا أصبح يحرص مع طلابه على استخدام ألقاب "دكتور" و"دكتورة"، ليس باعتبارها مجاملة، وإنما باعتبارها وسيلة لزرع صورة ذهنية لدى الطالب عن المستقبل الذي يمكن أن يصل إليه.

فقد تكون الكلمة بالنسبة للبعض عابرة، لكنها بالنسبة لطالب يبحث عن الثقة ربما تكون بداية طريق كامل.

عندما يصبح الأستاذ نفسه دليلًا حيًا على رسالته قوة التجربة التي يقدمها الدكتور سعيد لطلابه أنها ليست نظرية.

فهو لا يتحدث عن تحديات التعليم من بعيد، ولا يشرح للطلاب معنى الجمع بين المسؤوليات اعتمادًا على الكتب، وإنما عاش هذه التفاصيل بنفسه.

بدأ حياته العملية عام 1990 في وزارة التعليم العالي عامل خدمة معاونة، ولم يكن يحمل وقتها المؤهلات التي وصل إليها لاحقًا.

وكانت مرحلة البداية بالنسبة إليه مدرسة حقيقية تعلم فيها قيمة العمل، والاعتماد على النفس، وعدم الاستسلام للظروف.

ثم بدأ رحلة التعليم من المدارس الليلية، في وقت كان فيه العمل خلال النهار والدراسة خلال الليل جزءًا من حياته اليومية.

ومن هناك بدأ التحول التدريجي.

من العمل إلى الدراسة.. ومن الدراسة إلى صناعة المستقبل

بعد حصوله على الثانوية، أصبح موظفًا، لكن تغيير المسمى الوظيفي لم يغير شيئًا من طبيعة طموحه.

كان يستطيع أن يعتبر ما وصل إليه نهاية جيدة، لكنه اختار أن ينظر إليه باعتباره بداية جديدة.

دخل الجامعة، وواصل الدراسة بالتوازي مع العمل والأسرة، ولم يكن الطريق خاليًا من الضغوط.

كانت هناك مصروفات، وأسرة، وأبناء، والتزامات وظيفية، إلى جانب الدراسة والامتحانات.

وفي بعض الفترات، كان نجاحه الدراسي وسيلة لتخفيف الأعباء المالية، فكان يسعى إلى تحقيق تقديرات مرتفعة للاستفادة من الإعفاءات المرتبطة بالتفوق.

وهكذا لم يكن التفوق بالنسبة إليه عنوانًا للتميز فقط، بل كان أيضًا وسيلة تساعده على الاستمرار.

أسرة لم تكن على هامش الرحلة

وراء كل محطة من محطات هذه الرحلة كانت هناك أسرة تتحمل معها الأعباء.

ويخص الدكتور سعيد زوجته، التي يشير إليها باسم أم محمد، بقدر كبير من التقدير، باعتبارها إحدى الشخصيات التي وقفت إلى جواره خلال سنوات الدراسة والعمل.

لم تكن الحياة الأسرية منفصلة عن الرحلة التعليمية، بل أصبحت جزءًا منها.

كان يدرس بينما يكبر أبناؤه، وفي بعض المراحل تحولت المذاكرة إلى نشاط يجمعه بأبنائه، وكأن الأسرة بأكملها تعيش مشروعًا واحدًا عنوانه العلم.

وكانت زوجته ترافقه في بعض رحلات البحث عن الكتب والمراجع، في مرحلة كان الحصول على المصادر العلمية يتطلب وقتًا وجهدًا وانتقالًا بين المكتبات والجامعات.

الاقتصاد.. التخصص الذي تحول إلى شغف مع مرور الوقت، لم يعد الاقتصاد بالنسبة للدكتور سعيد مجرد تخصص أكاديمي، وإنما أصبح مجالًا يحبه ويدرّسه ويحرص على أن ينقل متعته العلمية إلى طلابه.

واصل دراساته في المجال الاقتصادي، وحصل على دبلومين في الدراسات الاقتصادية، ثم استكمل خطوات الدراسات العليا.

وكانت مرحلة البحث العلمي مختلفة تمامًا عن الواقع الحالي؛ فالاعتماد على الكتب والمراجع والمكتبات كان أساسيًا، والوصول إلى معلومة أو دراسة كان يحتاج أحيانًا إلى سفر وبحث طويل.

لكن هذه الصعوبات لم توقفه.

بل ربما ساهمت في تكوين شخصية الباحث داخله، وجعلته أكثر تقديرًا لقيمة البحث العلمي.

رسالة الماجستير.. البحث في ملف اقتصادي شائك اختار الدكتور سعيد لرسالة الماجستير موضوعًا يتعلق بغسل الأموال وآليات اكتشافه، مع تناول التطبيقات الإسلامية المرتبطة بالموضوع.

وكان اختيار الموضوع انعكاسًا لاهتمامه بالقضايا الاقتصادية والمالية، ورغبته في التعامل مع ملف يحتاج إلى دراسة وتحليل.

وخلال هذه المرحلة تلقى دعمًا من أساتذة ومشرفين، ومن بينهم الدكتور عثمان أحمد عثمان، أستاذ جامعة القاهرة، الذي قدم له الإرشاد والمساعدة خلال مراحل البحث وإعداد الرسالة.

وجاء يوم المناقشة ليحمل بالنسبة إليه معنى يتجاوز الحصول على درجة علمية؛ فقد كان بمثابة إعلان عن نجاح مرحلة كاملة من العمل والتعب.

الدكتوراه.. حين اتسعت زاوية النظر بعد الماجستير، لم يتوقف الطموح.

اتجه الدكتور سعيد إلى مرحلة الدكتوراه، وامتد اهتمامه إلى قضايا التنمية المستدامة والتعليم العالي والبحث العلمي.

وجاءت رسالته بعنوان يدور حول التنمية المستدامة وجودة التعليم العالي والبحث العلمي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بالتطبيق على دولة ماليزيا.

وكانت ماليزيا نموذجًا حاضرًا في الدراسة لفهم العلاقة بين التعليم والبحث العلمي والتنمية المستدامة.

واستمرت رحلة الدكتوراه نحو عامين، حتى جاءت لحظة المناقشة التي حصل خلالها على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.

لكن هذه اللحظة لم تكن بالنسبة إليه مجرد تتويج أكاديمي، وإنما كانت استدعاءً كاملًا لكل السنوات السابقة.

عاد في ذاكرته إلى المدرسة الليلية، وإلى ليالي الشتاء، وإلى العمل في الصباح، وإلى الامتحانات، وإلى مسؤوليات الأسرة، وإلى المراجع والكتب، وإلى كل خطوة صغيرة قادته في النهاية إلى قاعة مناقشة الدكتوراه.

نجاح شخصي.. يتحول إلى مشروع عام هنا تحديدًا تتضح قيمة التجربة.

فالدكتور سعيد لم يحتفظ بما حققه لنفسه.

انتقل من مرحلة البحث عن من يشجعه إلى مرحلة أصبح فيها هو الشخص الذي يشجع الآخرين.

ومن طالب كان يبحث عن فرصة لإكمال تعليمه، أصبح عميدًا يحمل مسؤولية آلاف الطلاب.

ومن شخص احتاج يومًا إلى كلمة تقول له "أنت تستطيع"، أصبح حريصًا على أن يمنح طلابه هذه الثقة باستمرار.

وهذه النقلة هي جوهر مشروعه التعليمي.

لا يريد للطالب أن يتوقف عند باب التخرج من أبرز الرسائل التي يكررها الدكتور سعيد أمام طلابه أن الحصول على المؤهل الدراسي لا يجب أن يكون نهاية الرحلة.

فالإنسان، بحسب رؤيته التعليمية، يستطيع أن يواصل التعلم والتخصص والبحث العلمي، وأن يضع أمامه هدفًا جديدًا بعد كل إنجاز.

ولهذا يفتح أمام طلابه فكرة الدراسات العليا، ويقرب إليهم صورة الباحث، ويمنحهم نماذج عملية من خلال المحاكاة والبحث والمناقشة.

والهدف في النهاية أن يخرج الطالب من المؤسسة التعليمية وهو يحمل أكثر من شهادة؛ يحمل عقلية قادرة على التعلم المستمر.

أصحاب الفضل.. أسماء في الذاكرة ورغم ما وصل إليه، لا يتعامل الدكتور سعيد مع رحلته باعتبارها مجهودًا فرديًا.

فهو يتحدث دائمًا عن أصحاب الفضل في حياته، من الأسرة إلى الزملاء والأساتذة وكل من قدم له مساعدة أو كلمة تشجيع في الوقت المناسب.

ويخص بالذكر زملاءه في بدايات العمل، الذين وقفوا إلى جواره وشجعوه وساعدوه في بعض مراحل رحلته الدراسية.

كما يذكر أساتذته الذين منحوه الدعم العلمي والثقة.

وهذا الوفاء لأصحاب الفضل يمثل جزءًا أساسيًا من فلسفته؛ فالإنسان الذي يتذكر من ساعده في بدايته، يكون أكثر قدرة على تقدير أهمية مساعدة الآخرين.

طموح لم ينتهِ عند الدكتوراه

ورغم الحصول على الدكتوراه وتولي مسؤولية تعليمية عن آلاف الطلاب، فإن صفحة الطموح لم تغلق.

لا يزال الدكتور سعيد يسعى إلى استكمال متطلبات الأستاذية، من خلال مواصلة البحث العلمي ونشر الأبحاث المطلوبة.

وهو بذلك يؤكد عمليًا الرسالة التي يحاول غرسها في طلابه: لا توجد محطة نهائية لطالب العلم.

كل درجة علمية يمكن أن تكون بداية للدرجة التالية، وكل نجاح يمكن أن يصبح مقدمة لطموح جديد.

من قصة رجل إلى رسالة آلاف الطلاب في النهاية، لا يمكن اختزال تجربة الدكتور سعيد عزت خطاب في انتقاله من وظيفة إلى أخرى أو حصوله على درجات علمية متتالية.

القيمة الحقيقية في تجربته أن كل مرحلة من حياته أصبحت جزءًا من الرسالة التي يقدمها اليوم.

عامل الخدمة المعاونة أصبح طالبًا.

والطالب أصبح موظفًا متعلمًا.

والموظف أصبح باحثًا.

والباحث أصبح حاصلًا على الماجستير.

ثم جاء الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.

ثم انتقل من رحلة البحث عن التشجيع إلى موقع يستطيع فيه أن يشجع آلاف الطلاب.

وهكذا أصبح أمام نحو 7 آلاف طالب نموذجًا حيًا لفكرة أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من نقطة متواضعة، ثم يبني نفسه خطوة وراء خطوة، شرط ألا يفقد الرغبة في التعلم، وألا يسمح للظروف بأن تكتب وحدها نهاية قصته.

الكلمة الأخيرة.. النجاح الذي لا يتوقف عند صاحبه

قصة الدكتور سعيد عزت خطاب في جوهرها ليست دعوة إلى تقليد مسار شخص بعينه، وإنما رسالة أوسع: أن التعليم يمكن أن يغير حياة الإنسان عندما يقترن بالإرادة، وأن المسؤولية التعليمية الحقيقية لا تنتهي عند شرح المنهج، بل تبدأ من مساعدة الطالب على اكتشاف قدراته والإيمان بمستقبله.

واليوم، بينما يقف الدكتور سعيد في موقع المسؤولية أمام آلاف الطلاب، تبدو إحدى أهم مراحل رحلته وكأنها بدأت من جديد؛ فبعدما كان حلمه شخصيًا، أصبح الحلم الآن مرتبطًا بجيل كامل يسعى إلى بناء مستقبله.

من هنا يصبح نجاح الدكتور سعيد عزت خطاب ليس مجرد محطة وصل إليها، وإنما تجربة يحاول أن يترك أثرها في 7 آلاف طالب، حتى لا تكون الشهادة هي نهاية الطريق، بل بداية لطريق أطول من العلم والطموح والإنجاز.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow